الإكسير
الكبريت
.
.

شروط الصياغة اللفظية عند العرب القدماء

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرية الصياغة اللفظية عند العرب القدماء

إعداد / تامرعبد الودود الأشعري

ماجستير  لغة عربية / كلية الآداب

نالت الصياغة اللفظية بكل جوانبها المتلاحمة( اللفظ – المعنى-التركيب) اهتماما كبيرا من قبل النقاد العرب وشرطوا لها شروطا وحدوا لها حدودا وهم لم يتحدثوا عن كل واحد من هذه الأجزاء على انفراد إلا لغرض التوضيح والإفهام لا الفصل بينها ولذلك نلاحظ تداخل شروط اللفظ مع شروط المعنى والتركيب في سائر ماقالوه.

ولما كانت أكثر نقولات المتأخرين والمعاصرين من الدارسين تجتزئ أحاديث القدماء وتبوبها تبويبا حديا توهموا وتوهم قراؤهم معهم أن العرب يميلون إلى ذلك الفصل المستحيل عقلا وحسا !

يقول الدكتور إحسان عباس"وقد كان المرزوقي هو الناقد الذي ينظر بعين البصيرة ولذلك استطاع أن يرى إن أنصار النظم حتى عصره لم يظلوا فئة واحدة بل أصبحوا على ثلاث درجات متتالية:

1 - فريق يرى أن تحسين نظم الألفاظ وجعلها سليمة من اللحن والخطأ ومما قد يعتري التأليف من جنف، وإيرادها صافية التراكيب، هو المطلوب.

2 - فريق يتجاوز الحد الأول ويرى أن يضيف إلى ما سبق شيئاً آخر من التحسين مثل تتميم المقاطع وتلطيف المطالع وعطف الأول على الآخر وتناسب الوصل والفصل وتعادل الأقسام والأوزان.

3 - فريق يتجاوز الحد الثاني ويرى ان كل ذلك يجب أن يضاف إليه أنواع البديع من ترصيع وتجنيس واستعارة وتطبيق وغير ذلك من الصور البديعية ([1]) .

أنصار المعنى

أما أصحاب المعاني فهم الذين يفضلون أن ينقلوا آثار عقولهم أكثر من اهتمامهم بالشكل، ليستفيد المتأمل، ولذلك " طلبوا المعاني المعجمة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلة عذبة حكيمة ظريفة أو رائقة بارعة فاضلة كاملة لطيفة شريفة زاهرة فاخرة، وجعلوا رسومها ان تكون قريبة التشبيه لائقة الاستعارة صادقة الأوصاف لائحة الأوضاع خلابة في الاستعطاف عطافة لدى الاستنفار مستوفية لحظوظها عند الإسهام من أبواب التصريح والتعريض والإطناب والتقصير والجد والهزل والخشونة والليان والإباء والإسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها؟ الخ " ؛ ومحصل موقف المرزوقي انه لا بد من الائتلاف بين اللفظ والمعنى ائتلافاً تاماً.."([2])

ومن الشروط الموضوعة للصياغة اللفظية بصفة عامة:

(1)        مراعاة المخاطبين ومستوياتهم العقلية والعلمية وطبقاتهم الاجتماعية ،فتختار لكل مخاطب الألفاظ والمعاني التي تلاؤمه وتناسب مكانته ، ويعرف ذلك من معرفة ماجرت به عادات هذه الطبقة من ضروب المخاطبة وفنونها ، لأنك بذلك تبلغ مايريدون وماتريد  قال إبراهيم بن محمد الشَيباني:" إذا احتجت إلى مُخاطبة المُلوك والوُزراء والعُلماء والكُتّاب والخُطباء والأدباء والشُّعراء وأوساط الناس وسُوقتهم، فخاطبْ كُلاً على قَدْر أبهته وجلالته، وعُلوَه وارتفاعه، وفِطْنته وانتباهه" ثم يستطرد في ذكر طبقات المخاطبين وخصائصها إلى أن يقول"ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إياهم في كتبك، فتزن كلامك في مُخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قَسمه، وتُوفّيه نصيبه؛ فإنك متىِ أهملت ذلك وأضعتَه لم آمن عليك أن تَعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير َمسلكهم، ويَجرىَ شُعاع بلاغتك في غير مجراه، وتَنْظَمِ جوهر كلامك في غير سِلكه فلا تعتدّ بالمعنى الجَزْل ما لم تُلْبسه لفظاً لاثقاً لمن كاتبته، ومُلتئماً بمن راسلته، فإنّ إلباسَك المَعنى، وإن صَحّ وشَرُف، لفظاً مُتخلّفاً عن قَدْر المكتوب إليه لم تَجْر به عاداتهم، تهجينٌ للمعنى، وإحلال بقَدْره، وظُلم بحق المَكتوب إليه، ونَقْص مما يجب له؛ كما أن في إتباع تعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجَرت به سُنتهم، قطعاً لعُذرهم، وخُروجاً من حقوقهم، وبُلوغاً إلى غاية مُرادهم، وإسقاطاً لحُجة أدبهم. فمن الألفاظ المَرغوب عنها، والصُّدور المستوحش منها في كتب السادات والمُلوك والأمراء، على اْتفاق المعاني، مثل: أبقاك الله طويلًا، وعَمَّرك مَلِيّا. وإن كنّا نعلم أنه لا فرق بين قولهم: أطال اللّه بقاك، وبين قولهم: أبقاك اللّه طويلًا. ولكنهم جعلوا هذا أرجَح وَزْناً، وأنبه قدراً في المُخاطبة. كما أنّهم جعلوا: أكرمك اللّه، وأبقاك، أحسن منزلاً في كُتب الفُضلاء والأدباء، من: جُعلت فداك، على اشتراك معناه، واحتمال أن يكون فداءَه من الخير، كما يحتمل أن يكون فداءَه من الشر؛ ولولا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لسعد بنٍ أبي وقّاص: ارْم فداك أبي وأمي، لكرِهنا أن يَكْتب بها أحد. على أن كُتّاب العَسكر وعوامّهم قد وَلعوَا بهذه اللَفظة حتى استعملوها في جميع مُحاوراتهم، وعلوها هِجِّيراهم في مخاطبة الشريف والوَضيع، والكبير والصغير... وكان أبو إبراهيم المُزني يقول في بعض ما خاطب به داود ابن خَلَف الأصبهاني: فإِن قال كذا فقد خرج عن الملّة، والحمد لله. فنقض ذلك عليه داودُ، وقال فيما ردّ عليه: تَحمد اللّه على أن تُخرج امرأ مُسلماً من الإسلام، وهذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يَليق به! وإنما يقال في المُصيبة: إِنا للّه وإنا إليه راجعون."([3])

ومما يدخل في هذا أن لا يستعمل في الشعر المنظوم، والكلام المنثور، من الرسائل والخطب: ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، والألفاظ التي تختص بها أهل المهن والعلوم، لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وكلام أصحاب تلك الصناعة. وبهذا شرف كلام أبى عثمان الجاحظ وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ألفاظ الكتاب، وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين فكأنه في كل علم يخوض فيه لا يعرف سواه ولا يحسن غيره. ومما يذكر من هذا النوع في استعمال ألفاظ المتكلمين قول أبي تمام:

مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض([4])

(2)       مشاكلة اللفظ للمعنى ومطابقته له في سائر أنحاء الكلام من مبتدئه إلى منتهاه ،ومراعاة تلاؤم المعاني في سياق الكلام فلا يجمع بين معنيين غير متشاكلين في وجه من الوجوه ،قال إبراهيم السابق ذكره: "فامتثِل هذه المذاهب، واجر على هذه القواعد، وتحفّظ في صُدور كُتبك وفًصولها وخواتمها، وضَع كل معنى في موضع يليق به، وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فُصولك في موضع ذكر البَلْوى بمثل: نسأل اللّه دَفْعَ المَحْذور، وصَرف المكروه، وأشباه هذا؟ وفي موضعِ ذكر المُصيبة: إنا للّه وإنا إليه راجعون؟ وفي موضع ذكر النِّعمة: الحمد لله خالصاَ والشكر لله واجباً. فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقَدها ويتحفظ فيها؛ فإن الكاتب إنما يصير كاتباً بأن يَضع كل معنى في موضعه، ويعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى... قد رأيتُهم شبّهوا المعنى الخفيّ بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجًثمان الظاهر، وإذا لم ينهضِ بالمعنى الشريف الْجَزْل لفظٌ شريف جزل لم تكن العبارة واضحة، ولا النظام مُتّسقاً، وتضاؤُل المعنى الحَسن تحت اللفظ القبيح كتضاؤل الْحَسناء في الأطمار الرثة... واعلم أنّ العلماء شبَهّت المعاني بالأرواحِ، والألفاظَ بالأجساد واللُّباب. فإِذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزلَ، وكساه لفظاً حسناً، وأعاره مَخرجاً سهلاً، ومَنحه دَلاًّ مُونقاً، كان في القلب أحلَى، وللصدر أملاً. ولكنه بقي عليه أن يُؤلفه مع شقائقه وقُرنائه، ويجتمع بينه وبين أشباهه ونظائره، وينَظمه في سِلْكه كالجوهر المنثور، الذي إذا تولى نظمه الناظمُ الحاذقُ، وتعاطى تأليفَه الجوهريُّ العالم، اظهر له بإحكام الصَّنعة، ولطيف الحِكمة، حُسناً هو فيه، وكساه ومَنحه بهجة هي له. وكذلك كلما احلولى الكلامُ، وعذُب وراق، وسَهُلت مخارجه، كان أسهلَ وُلوجاً في الأسماع، وأشدَ اتصالاً بالقلوب، وأخفّ على الأفواه، لا سيما إذا كان المعنى البديعُ مترجَماً بلفظ مُونق شريف، لم يَسِمْه التكلفُ بِمِيسمه، ولم يُفسده التعقيدُ باستهلاكه، كقول ابن أبي كَريمة:

قَفاه وجهٌ والذي وجههُ ... مثلُ قَفاه يُشبه الشمسا

فهجّن المعنى بتعقيد مخارج الألفاظ. وأخذه الحسنُ بن هانئ فأوضحه وسهَّله حيث قال:

بأبي أنتَ مِن غزالٍ غَرير ... بزَّ حُسنَ الوُجوه حُسنُ قَفاكَا

وكلاهما أخذه من حسَّان بن ثابت حيث يقول:

قفَاؤك أحسنُ من وجهه ... وأمُّك خير من المُنذِرِ "

 وقال إبراهيم الشَيْبانيّ الكاتب: قد تكون الكلمة إذا كانت مفردةً حُوشيّة بشعة، حتى إذا وضعت في موضعها وقُرنت مع إخواتها حَسُنت، كقول الحسن بن هانئ:

ذو حَصر أفلت من كَرّ القبَل

والكر: كلمة خسيسة، ولاسيما في الرقيق والغزل والنسيب، غير أنها لما وضعت في موضعها حَسُنت، وكذلك الكلمة الرقيقة العَذْبة ربما عقبُتْ ونفرت إذا لم تُوضع في موضعها، مثل قول الشاعر:

رأت رائحاً جَوْناً فقامت غَريرةً ... بمِسْحاتها جُنحَ الظلام تُبادِرُهْ

فأوقع الجافي الجلْفُ هذه اللفظَة غير موضعها، وبَخسها حقَّها حين جعلها في غير مكانها حقًّا، لأنّ المسَاحي لا تَصلح للغرائر.

ويروى أن الكميت بن زيدٍ أنشد نصيباً فاستمع له، فكان فيما أنشده:

وقد رأينا بها حوراً منعمة ... بيضاً تكامل فيها الدلُّ والشنبُ

فثنى نصيب خنصره، فقال له الكميت: ما تصنع؟ فقال: أحصي خطأك، تباعدت في قولك: " تكامل فيها الدل والشنب " .

هلا قلت كما قال ذو الرمة:

لمياء في شفتيها حوة لعسٌ ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنبُ

ثم أنشده في أخرى:

كأن الغطامط من جريها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا

فقال له: نصيب: ما هجت أسلم غفاراً قط، فاستحيا الكميت فسكت.

قال أبو العباس: والذي عابه نصيب من قوله: " تكامل فيها الدل والشنب " .

قبيح جداً، وذلك أن الكلام لم يجر على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها، وأول ما يحتاج إليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشكلة([5]).

ومن سوء الملاءمة في التراكيب قول المتنبي:

قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا

ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى - كما قال الصاحب - بأخزى الخزايا، فقال:

لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا

قال الصاحب: ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها؟ والممدوح لعل له عصبة لا يريد أن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا السخف وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:

فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا([6])

 

 

 

(3)  مطابقة أساليب الكلام وألفاظه ومعانيه للفن الكتابي والإبداعي ، فلغة الشعر غير لغة الرسائل والخطب قال الشيباني السابق ذكره:" واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمالُ ما أتت به أيُ القرآن من الاقتصار والحذف، ومخاطبة الخاصّ بالعام والعام بالخاصّ، لأنَّ الله جل ثناؤه خاطَب بالقرآن قوماً فُصحاء فَهِموا عنه جلّ ثناؤه أمرَه ونَهيه ومُراده، والرسائل إنما يُخاطب بها أقوامٌ دخلاء على اللغة، لا علم لهم بلسان العرب. وكذلك ينبغي للكاتب أن يَجتنب اللفظ المشترك والمعنى المًلْتبس، فإنه إذن ذهب يُكاتب على مثل معنى قول الله تعالى: " واسأل القَرْية التي كُنّا فيها والعِيَر التي أقبلنا فيها " وكقوله تعالى: " بل مَكْر الليل والنهار " ، أحتاج الكاتب أن يُبين معناه: بل مكرهم بالليل والنهار... وكذلك لا يجوز أيضاًً في الرسائل والبلاغات المشهورة ما يجوز في الأشعار المَوزونة، لأنّ الشاعر مُضطر، والشِّعرَ مَقْصور مقيَّد بالوزن والقوافي، فلذلك أجازوا لهم صَرْفَ ما لا ينصرف من الأسماء، وحذفَ ما لا يُحذف منها، واغتفروا فيه سوء النظم، وأجازوا فيه التَّقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وذلك كله غير مُستساغ في الرسائل ولا جائز في البلاغات.

(4)  مراعاة دلالات الصيغ الصرفية في المفردات عند صياغة الكلام بما يلائم المعنى المراد منه ، فمعنى اسم الفاعل يحسن أحيانا في موقع لا يحسن فيه الفعل والعكس وقل مثل ذلك في بقية الصيغ قال الشيباني:" فتخَيَّر من الألفاظ أرجحَها لفظاً، وأجزَلها معنى، وأشرفَها جوهراً، وأكرِمَها حسباً، وأليقها في مكانها، وأشكلها في موضعها؛ فإن حاولت صَنعة رسالة فزِن اللَّفظة قبل أن تُخرجها بميزانِ التِّصريف إذا عَرضت، وعاير الكلمة بمعيارها إذا سنَحت، فإنه ربما مَرّ بك موضعٌ يكون مخرج الكلام إذا كتبتَ: أنا فاعل، أحسنَ من أن تكتب: أنا أفعل، وموضع آخرً يكون فيه: استفعلت، أحلى من: فعلت. فأدِر الكلام على أماكنه، وقلِّبه على جميع وُجوهه، فأيّ لَفظة رأيتَها أخف في المكان الذي ندبتها إليه، وأنزعَ إلى اٍلموضع الذي راودتًها عليه، فأوْقعها فيه، ولا تجعل اللَفظة قَلِقة في موضعها، نافرةً عن مكانها، فإنك متى فعلت هجّنت الموضع الذي حاولت تَحسينه، وأفسدتَ المكان الذيِ أردت إصلاحه؛ فإنَ وضع الألفاظ في غير أماكنها، وقَصْدَك بها إلى غير مًصابها، وإنما هو كتَرْقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، فخرج من حَدّ الجدّة، وتغيّر حُسْنه، كما قال الشاعر:

إنّ الجديدَ إذا ما زيد في خَلَقٍ ... تَبَن الناسُ أنّ الثوبَ مَرْقوعُ

(5)  سهولة مخارج أصوات الكلمة المفردة والكلمات المركبة في سياق عام أيضا ، وليس شرطا أن تكون متباعدة المخارج لكي تحسن بل العمدة في ذلك هو السمع فما استحسنه السمع فهو حسن والعكس صحيح ومتى كان حسن الوقع على السمع كلما كان بالقلوب أعلق وإلى الحفظ أسرع وسهولة مخارج الألفاظ في السياق ضرورية كضرورتها في الكلمة المفردةوبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة بل هذا في التأليف أقبح وذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع. وما زال أصحابنا يعجبون من هذا البيت:

لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما ... كنا نكون ولكن ذاك لم يكن

وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه([7]) .

(6)  الابتعاد عن غريب الألفاظ التي تغلق على المعنى أبواب الفهم وتشعر المتلقي بالاشمئزاز من التكلف ، قال الشيباني:" وكذلك كلما احلولى الكلامُ وعَذُب وراق وسَهُلت مخارجه كان أسهلَ وُلوجاً في الأسماع، وأشدّ اتصالاً بالقُلوب، وأخفّ على الأفواه؛ لا سيّما إذا كان المعنى البديع مُترجَما بلفظ مِونِق شريف، ومُعايَراً بكلامٍ عَذْب لم يَسِمْه التكليف بميسمه، ولم يُفسده التّعقيد باستغلاقه، وبلغني أن بعض الكتَّاب عاد بعضَ الملوك فوجده يئن مَن علّة، فخرج عنه ومرّ بباب الطاق، فإذا بطيْر يدعى الشَفانين، فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابَاً وتنطّع في بلاغته: وتذكرْ أنه يقال له شَفانين، أرجو أن يكون شفاءً من أنين. فرفع في أسفل الكتاب: والله لو عطستَ ضَبًّا ما كنت عندنا إلا نبطيا، فاقصر عن تنًطّعك، وسَهِّل كلامك.".

(7)              الابتعاد عن سوء التركيب بالتقديم والتأخير المعقد للمعنى والحاجب عنه "كقول الفرزدق:

وما مثْله في النّاس إلا مُملَّكاً ... أبو أمه حيٌ أَبوه يقاربُه

                 معناه: ما مِثل هذا الممدوح في الناس إلا الخَليفة الذي هو خاله، فقال: أبو أُمه حيّ أبوه يقاربه.        فبعد المَعنى القريب، ووعّر الطريق السهل، ولبَّس المعنى بتوعّر اللفظ وقُبح البِنية، حتى ما يكاد يُفهم"([8])

(8)              ابتكار المعاني وجدتها وتجنب المعاني المبتذلة والمعدومة الفائدة فقد يأتي من الكلام "ما لا فائدة له ولا معنى كقول القائل:

الليلُ ليلٌ والنهارُ نهارُ ... والأرضُ فيها الماءُ والأشجارُ"([9])

(9)  ملاءمة الفن الإبداعي لطبيعة المبدع وميوله ففي ذلك يكون الإبداع للألفاظ والمعاني والتفرد في أسلوب الصياغة وفي غير ذلك التكلف والسرقة والتكرار لما سبق إلي الآخرون "واعلم أنه لا يَصلح لك شيء من المنثور والمنظوم إلا أن يُجري منه على عِرق، وأن يتمسّك منه بسبب، فأما إن كان غيرَ مُناسب لطبيعتك، وغير ملائم لقَريحتك. فلا تُنض مطيَّتك في التماسه، ولا تُتعب نفسَك في ابتغائه، باستعارتك ألفاظَ الناسِ وكلامَهم، فأنّ ذلك غيرُ مُثمر لك ولا مُجدٍ عليك، ما لم تكن الصناعة ممازجةَ لذهنك، ومَلتحمة بطبعك.

 واعلم أنّ من كانَ مرجعُه اغتصابَ نظم من تقدمه، واستضاءتَه بكوكب مَن سبقه، وسَحْبَ ذيل    حُلة غيره، ولم تكن معه أداة تُولِّد له من بناتِ ذهنه ونتائج فكره، الكلامَ الجَزْل، والمعنى الحَفْل، لم يكن  من الصناعة في عِير ولا نفير، ولا وِرد ولا صَدَر"([10])

(10) كثرة الاطلاع على نتاجات السابقين وإبداعاتهم والاحتذاء على أساليب المبدعين حتى يصل المرء إلى التفرد والتميز والإبداع " على أن سماع كلام الفصحاء المطبوعين، وَدرْسَ رسائل المُتقدمين، هو على كل حال ما يَفْتق اللسان، ويُقوي البيان، ويُحد الذهن، ويَشحذ الطبع، إن كانت فيه بقيّة، وهناك خبية"([11]).

(11) مطابقة الكلام للغرض منه فسياق المديح غير سياق الهجاء والعتاب والفخر وهكذا وقَد يأتي من الشعر في طريق المَدح ما الذمُ أولى به من المدح، ولكنه يُحمل على مَحْمَل ما قبله وما بعده، ومثله قولُ حبِيب:

لو خَرَّ سيفٌ من العَيُّوق مُنصلتاً ... ما كان إلا على هاماتِهم يَقَعُ

وهذا لا يجوز ظاهره في شيء من المدح، وإنما يجوز في الذم والنَّحس، لأنك لو وصفت رجلاً بأنه أنحسُ الخَلق لم تَصِفه بأكثر من هذا. وليس للشجاعة فيه وجْه، لأنّ قوَلهم: لو خَر سيف من السماء لم يقع إلا على رأسه هذا رأس كل نَحس([12]).

"نعم ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلاًّ مرتبته وتوفيه حقه، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والبأس، يتميز عن المديح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، ولكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه، وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعد أو الوعيد أو الإعذار، خلاف كتابك في الشوق أو التهنئة أو اقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذَّرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيَّت، فأما الهجو فأبلغه ما جرى مجرى التهكم والتهافت وما اعترض بين التعريض والتصريح، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس([13])

(12) سلاسة تركيب الكلام والتأنق فيه وتهذيبه وتنقيحه وإخراجه على السجية والطبعفيغير منه ما يجب تغييره، ويحذف ما ينبغي حذفه، ويصلح ما يتعين إصلاحه، ويكشف عما يشكل عليه من غريبه وإعرابه، ويحرر ما لم يتحرر من معانيه وألفاظه، حتى تتكامل صحته، وتروق بهجته، فإنه من رزق من أرباب البلاغة وأصحاب الفصاحة جودة ذهن، وغوص فكر، وكمال عقل، واعتدال مزاج، وحسن اختيار، ووقف على أقوال النقاد في حقيقة البلاغة، وكنه الفصاحة، وما عد من محاسن الكلام وعيوبه، ووقى شح نفسه، بحيث يسمح بطرح ما لا يقدر على تغييره من كلامه، كان كلامه موصوفاً بالمهذب، منعوتاً بالمنقح، وإن قل ابتكاره للمعاني([14]) قال في الصناعتين: إن الكلام يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته، وتخير لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولبن معاطفه، واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه وتشبه أعجازه بهواديه، وموافقة أواخره لمباديه، مع قلة ضروراته بل عدمها أصلاً، حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه؛ فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من ضعف التأليف، وبعد من سماجة التركيب، صار بالقبول حقيقاً، وبالتحفظ خليقاً؛ فإذا ورد على السمع المصيب استوعبه ولم يمجه، والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق عن الجاسي البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه وتنفر عما يضاده ويخالفه؛.. والسمع يتشوق للصوت الرائع، وينزوي عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللين، وتتأذى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخر عن الجافي الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب والروية الفاسدة.

 قال: وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والأعجمي، والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، وصحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف؛ وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصف من نعوته التي تقدمت. ألا ترى أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة، لم تعمل لإفهام المعاني فقط، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام؛ وإنما يدل حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه، على فضل قائله ومنشيه. وأيضاً فإن الكلام إذا كان لفظاً حلواً عذباً وسطاً دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر. وأحسن الكلام ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن نظمه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون خلقاً بغيضاً، ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلاً دوناً، ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهراً، والألفاظ إذا أجبرت قسراً؛ ولا خير فيما أجيد لفظه إلا مع وضوح المغزى وظهور المقصد. قال: وقد غلب على قوم الجهل فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكد، ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلساً عذباً، وسهلاً حلواً؛ ولم يعلموا أن السهل أمنع جانباً، وأعز مطلباً، وهو أحسن موقعاً، وأعذب مستمعاً؛ ولهذا قيل أجود الكلام السهل الممتنع. وقد وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أن يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذرت عليه؛ وأنشد إبراهيم بن العباس لخاله العباس بن الأحنف:

إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب

صب بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب

ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، القليل النظر، العزيز الشبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصعب مع سهولته، قال فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أحسن من شعره([15]) فينبغي – (مثلا )- أن يعمل السجعات مفرقة بحسب ما يجود به الخاطر، ثم يرتبها في الآخر ويحترز عند جمعها من سوء الترتيب، ويتوخى حسن النسق عنه التهذيب، ليكون كلامه بعضه آخذاً بأعناق بعض، فإنه أكمل لحسنه، وأمثل لرصفه؛ وأن يجيد المبدأ والمخلص والمقطع، ويميز في فكره محط الرسالة قبل العمل، فإنه أسهل للقصد؛ ويجتهد في تجويد هذه المواضع وتحسينها؛ ويوضح معانيه ما استطاع"([16])"فذلك غير البيان. وهو كالملاحة التي لا يعقل لها معنى ولا يعبر عنه. كما قيل:

شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو

ويقال: مع المحبوب شيء آخر غير حسنه هو الذي يشفع له إلى القلوب. ألا ترى أن بعض الصور مفردات أعضائها نهاية في الحسن، وليس لها ذلك المعنى الذي لغيرها. وكذا قيل في الترياق، إنه بعد التركيب يفيض الله عليه خاصة لم تكن في قوة أجزائه حالة الإفراد. والهيئة الاجتماعية لها معنى غير الحالة التي تكون لأفرادها ولا شك أن لكلام الفصحاء في حالة التركيب خواص لا يمكن التعبير عن ذلك الحسن الموجود فيها. ولهذا أفتى الفقهاء فيمن بدل ترتيب الفاتحة، وقلب بعض الآيات إلى موضع بعض أنه لا تصح صلاته، لأنه يبطل إعجاز القرآن العظيم، وهو سياقته على هذا النمط الغريب، وتأليفه على هذا النظم العجيب([17])

وكانت العرب ومن تبعها من سلف هذه الأمة تجري على عادة في تفخيم اللفظ وجزالة المنطق لم تألف غيره ولا عرفت تشبيهاً سواه، وكان الشعر أحد أقسام منطقها، ومن حقه أن يخص بتهذيب ويفرد بزيادة عناية، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة وانضاف إليها العمل والصنعة خرج كما تراه فخما جزلا وقوياً متيناً، وقد كان القوم أيضاً يختلفون في ذلك وتتباين فيه أحوالهم فيرق شعر الرجل ويصلب شعر الآخر، ويدمث منطق هذا و يتوعر منطق غيره وإنما ذلك بحسب اختلاف الطباع وتركيب الخلق. فإن سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة، وأنت تجد ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك وترى الجافي الجلف منهم كرّ الألفاظ جهم الكلام وعر الخطاب، حتى إنك ربما وجدت الغضاضة في صوته ونغمته وفي حديثه ولهجته، ومن شأن البداوة أن تظهر بعض ذلك، ومن أجله قال النبي صلى الله عليه وسلم من بدا جفا ولذلك تجد شهر عدي بن زيد وهو جاهلي أسلس من شعر الفرزدق وجرير وهما إسلاميان، لملازمة عدي الحاضرة، وإيطانه الريف وبعده عن جلافة البدو وجفاء الأعراب، وترى رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم، والغزل المتهالك. وإذا اتفقت الدماثة والصبابة وانضاف الطبع إلى الغزل، فقد جمعت لك الرقة من أطرافها ولما ضرب الإسلام بجرانة واتسعت ممالك العرب وكثرت الحواضر ونزعت البوادي إلى القرى، وفشا التأدب والتظرف، اختار الناس من الكلام ألينه وأسهله، وعمدوا إلى كل شيء ذي أسماء فاستعملوا أحسنها مسمعاً، وألطفها من القلب موقعاً، وإلى ما للعرب فيه لغات فاقتصروا على أسلسها وأرشقها كما رأيتهم فعلوا في صفات الطويل، فإنهم وجدوا للعرب نحواً من ستين لفظاً أكثرها بشع شنع، فنبذوا جميع ذلك وأهملوه، واكتفوا بالطويل لخفته على اللسان وقلة نبوّ السمع عنه في البيان ([18]).

(13) المعرفة الكافية ببما يحتاجه البليغ من لغة العرب ومفردات ألفاظها ومعانيها فـ" اللغة هي رأس مال الكاتب، وأس كلامه، وكنز إنفاقه؛ من حيث إن الألفاظ قوالب للمعاني التي يقع التصرف فيها بالكتابة؛ وحينئذ يحتاج إلى طول الباع فيها، وسعة الخطو، ومعرفة بسائطها: من الأسماء والأفعال والحروف، والتصرف في وجوه دلالتها الظاهرة والخفية: ليقتدر بذلك على استعمالها في محالها، ووضعها في مواضعها اللائقة بها، ويجد السبيل إلى التوسع في العبارة عن الصور القائمة في نفسه فيتسع عليه نطاق النطق، وينفسح له المجال في العبارة، وينفتح له باب الأوصاف فيما يحتاج إلى وصفه، وتدعو الضرورة إلى نعمته، فيستظهر على ما ينشيه، ويحيط علماً بما يذره ويأتيه؛ إذ المعاني وإن كانت كامنة في نفس المعبر عنها فإنما يقوى على إبرازها وإبانتها من توفر حظه من الألفاظ، واقتداره على التصرف فيها: ليأمن تداخلها وتكريرها المهجنين للمعاني - وناهيك أن ابن قتيبة لم يضمن كتابه أدب الكاتب غير اللغة إلا النزر اليسير من الهجاء، وأبا جعفر النحاس ضمن كتابه صناعة الكتاب جزءاً وافراً من اللغة، وأبا الفتح كشاجم لم يزد في كتابه كنز الكتاب على ذكر الألفاظ وصورة تركيبها ما يحتاج إليه الكاتب من اللغة ويرجع المقصود منه إلى عدة أصناف ، منها الغريب وهو ما ليس بمألوف الاستعمال، ولا دائر على الألسنة؛ وذلك أن مدار الكتابة على استخراج المعاني من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والشعر؛ وألفاظها لا تحول عن الغريب؛ بل ربما غلب الغريب منها في الشعر على المألوف لا سيما الشعر الجاهلي. وقد قال الأصمعي توسلت بالملح ونلت بالغريب. قال صاحب الريحان والريعان: والغريب، وإن لم ينفق منه الكاتب فإنه يجب أن يعلم ويتطلع إليه ويستشرف؛ فرب لفظة في خلال شعر أو خطبة أو مثل نادر أو حكاية؛ فإن بقيت مقفلة دون أن تفتح لك، بقي في الصدر منها حزازة تحوج إلى السؤال، وإن صنت وجهك عن السؤال، رضيت بمنزلة الجهال. وقد عاب ابن قتيبة جلاً كتب في وصف برذون: وقد بعثت به أبيض الظهر والشفتين. فقيل له: هلا قلت في بياض الشفتين( أرثم المظ!) فقال لهم: فبياض الظهر، قالوا لا ندري، فقال: إنما جهلت من الشفتين ما جهلتم من الظهر !!

قال أبو القاسم الزجاجي في شرح مقدمة أدب الكاتب: وهذا الخليفة هو المعتصم والكاتب أحمد بن عمار، وكان يتقلد العرض عليه؛ وكان المعتصم ضعيف البصر بالعربية؛ فما قرأ عليه أحمد بن عمار الكتاب وسأله عن الكلإ فلم يعرفه، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! خليفة أمي، وكاتب عامي

الصنف الثاني الفروع المتشعبة في المعاني المختلفة وهي فروع كثيرة متسعة الأرجاء، متباينة المقاصد، لا يكاد يجمعها مصنف، وإن كان الكاتب لا يستغني عن شيء منها، ولا يحسن به تركه.

منها المتباين والمترادف ومنها الحقيقة والمجاز. والحقيقة هي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي كالأسد للحيوان المفترس، والحمار للحيوان المعروف. والمجاز هو ما أريد به غير الموضوع له في أصل اللغة، كالأسد للرجل الشجاع بعلاقة الشجاعة في كل منهما، ومنها تسمية المتضادين باسم واحد كالجون للأسود والأبيضالمقصور والممدود كالندى للجود وندى الأرض، والحفا لكلال القدم والحافر؛ والممدود كالسماء للفلك وكل ما علا المذكر والمؤنث فإنه تختلف أحواله باعتبار التذكير والتأنيث في كثير من الأمور المهموز وغير المهموز؛ فإن المعنى قد يختلف في اللفظ الواحد باعتبار الهمز وعدمه: كما تقول بارأت بالهمز من الإبراء، وباريت فلاناً من المفاخرة بغير همز.

الصنف الثالث الفصيح من اللغة وأعلم أن اللغة العربية قد تنوعت واختلفت بحسب تنوع العرب واختلاف ألسنتهم؛ والذي اعتمده حذاق اللغة وجهابذة العربية من ذلك ما نطق به فصحاء العرب، وهم الذين حلوا أوساط بلاد العرب، ولم يخالطهم من سواهم من الأمم كثير مخالطة، ولم يصاقبوا بلاد العجم فبقيت ألفاظهم سالمة من التغيير والاختلاط بلغة غيرهم: كقريش، وهذيل وكنانة، وبعض تميم، وقيس عيلان، ونحوهم من عرب الحجاز، وأوساط نجد. بخلاف الذين حلوا في أطراف بلاد العرب، وجاوروا الأعاجم فتغيرت ألفاظهم بمخالطتهم... ([19]).

(14)         التزام قواعد النحو والصرف

لا نزاع أن النحو هو قانون اللغة العربية، وميزان تقويمها؛ وحينئذ فيحتاج إلى المعرفة بالنحو وطرق الإعراب، والأخذ في تعاطي ذلك حتى يجعله دأبه، ويصيره ديدنه: ليرتسم الإعراب في فكره، ويدور على لسانه، وينطلق به مقال قلمه وكلمه، ويزول به الوهم عن سجيته، ويكون على بصيرة من عبارته. فإنه إذا أتى من البلاغة بأعلى رتبة ولحن في كلامه، ذهبت محاسن ما أتى به وانهدمت طبقة كلامه وألغي جميع ما حسنه، ووقف به عند ما جهله. قال في المثل السائر: وهو أول ما ينبغي إثبات معرفته؛ على أنه ليس مختصاً بهذا العلم خاصة بل بكل علم؛ لا بل ينبغي معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي ليأمن معرة اللحن. في المثل السائر: والجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة ولكنه يقدح في الجهل به نفسه لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه وهم الناطقون باللغة فوجب اتباعهم؛ ولذلك لم ينظم الشاعر شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما وإنما عرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة. قال: ولذلك لم يكن اللحن قادحاً في نفس الكلام: لأنه إذا قيل جاء زيد راكب بالرفع لو لم يكن حسناً إلا بأن يقال جاء زيد راكباً بالنصب لكان النحو شرطاً في حسن الكلام وليس كذلك فتبين أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته وإنما الغرض أمر وراء ذلك([20])  فمن عيوب شعر المتنبي

عسف اللغة والإعراب وهو مما سبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عند الاعتذار له، والمناضلة دونه، كقوله:

فدى من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد الجائد القرم

ولم يحك عن العرب " الجائد " وإنما المحكى رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد.

وكقوله:

فأرحم شعر تتصلن لدنه ... وأرحام مال لا تني تتقطع

وتشديد النون من " لدن " غير معروف في لغة العرب.

وكقوله:

شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل

والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما يغلط فيه العامة...وقوله :

وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه ليس مسكاً أذفرا

فجمع الركبات ثم انتقل إلى التثنية فقال " تقعان " ، وهو ضعيف وغير سديد في صناعة الإعراب([21]).

(15) اعتبار حال المخاطب في سوق الكلام مطنبا وموجزا ومساويا للمعنى والذي يوجبه النظر الصحيح أن الإيجاز والإطناب والمساواة صفات موجودة في الكلام ولكل منها موضع لا يخلفه فيه رديفه، إذا وضع فيه انتظم في سلك البلاغة ودل على فضل الواضع، وإذا وضع غيره دل على نقص الواضع وجهله برسوم الصناعة([22]).

وقد ذكر العسكري أيضاً في باب الإطناب ما يحسن أن يكون شاهداً لذلك من القرآن الكريم فقال: قد رأينا أن الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي كما في قوله تعالى خطاباً لأهل مكة " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " وقوله: " أو ألقى السمع وهو شهيدٌ " في أشباهٍ كثيرةٍ لذلك. وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم، جعل الكلام مبسوطاً، كما في سورة طة وأشباهها، حتى إنه قلما تجد قصةً لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحةً ومكررةً في مواضع معادةً، لبعد فهمهم، وتأخر معرفتهم.([23])

(16) أن يتخطى التصريح إلى التلويح والإشارة إذا ألجأته الحال إلى المكاتبة بما لا يجوز كشفه وإظهاره على صراحته، مما في ذكره على نصه هتك ستر، أو في حكايته اطراح مهابة السلطان، وإسماعه ما يلزم منه إخلال الأدب في حقه...([24])

(17) مراعاة أوقات الكلام وأزمنتها فلكل زمان ومكان مقال لا يصلح لغيرهما قال في مواد البيان: فيجب على الكاتب أن يتنقل في استعمال الألفاظ على حسب ما تقتضيه رتب الخطاب والمخاطبين، وتوجبه الأحوال المتغايرة، والأوقات المختلفة، ليكون كلامه مشاكلاً لكل منها، فإن أحكام الكلام تتغير بحكم تغير الأزمنة والأمكنة ومنازل المخاطبين والمكاتبين.

قال: ولتحري الصدر الأول من الكتاب إيقاع المناسبة بين كتبهم وبين الأشياء المتقدمة الذكر استعمل كتاب الدولة الأموية من الألفاظ العربية الفحلة، والمتينة الجزلة، ما لم تستعمل مثله الدولة العباسية، لأن كتاب الدولة الأموية قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب ولغاتهم، حتى عدت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها، والأمكنة التي نزلها ملوكهم من بلاد العرب، والرجال الذين كانت الكتب تصدر إليهم، وهم أهل الفصاحة واللسن والخطابة والشعر.

أما زمان بني العباس، فإن الهمم تقاصرت عما كانت مقبلة على تطلبه فيما تقدم من العلوم المقدم ذكرها، وشغلت بغيرها من علوم الدين، ونزل ملوكهم ديار العراق وما يجاورها من بلاد فارس، وليس استفاضة لغة العرب فيها كاستفاضتها في أرض الحجاز والشام. ومن المعلوم أن القوم الذين كانوا يكاتبون عنهم لا يجارون تلك الطبقة في الفصاحة والمعرفة بدلالات الكلام، فانتقل كتابها من اللفظ المتين الجزل، إلى اللفظ الرقيق السهل، وكذلك انتقل متأخرو الكتاب عن ألفاظ المتقدمين إلى ما هو أعذب منها وأخف، للمعنى المتقدم ذكره ..."([25])

(18)         ترتيب الألفاظ في النطق والكتابة على حسب ترتيبها في النفس وقد قام على هذا المدار نظري النظم عند الجرجاني.

ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى: " واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا " فإنه إنما قال ذلك ولم يقل فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لأمرين:أحدهما تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها، أما الأول فلو قال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع شاخصة غيره،فيقول:حائرة، أو مطموسة، أو غير ذلك، فلما قدم الضمير اختص الشخوص بالأبصار دون غيرها، وأما الثاني فإنه لما أراد أن الشخوص بهم دون غيرهم دل عليه بتقديم الضمير أولاً ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال:فإذا هم شاخصون دون غيرهم، ولولا أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة، لأنه أخصر بحذف الضمير من الكلام([26])ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوباً فيفسد المعنى ويصرفه عن وجهه، ولذلك أمثلة مذكورة منها قول عروة بن الورد العبسي:

فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غد لمهجته يفوق

فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق

يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسي([27]).

(19) أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا أوردت، وهي غير مقصود بها ذلك المعنى، قبحت وأن كملت فيها الصفات الأخرى " ومثال هذا قول عروة بن الورد العبسي:

قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح

والكنيف أصله الساتر، ومنه قيل للترس كنيف، غير أنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهرتها. فأنا أكرهه في شعر عروة، وإن كان ورد موردا صحيحاً لموافقة هذا العرف الطارىء. على أن لعروة عذراً وهو جواز أن يكون هذا الاستعمال حدث بعده. بل لا أشك أنه كذلك لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآبار. فهو وأن كان معذوراً وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به.والتركيب كالكلمة المفردة في ذلك فللتأليف فيه تعلق بحسب إضافة الكلمة إلى غيرها، فإن القبح يختلف بحسب ذلك كما قلنا في قول الشريف الرضى:

وقد خلت من جانبيك مقاعد العواد

لأن مقاعد لما أضيف إلى العواد زاد قبح الكلام ولو قال قائل: مقاعد الجبال على وجه الاستعارة أو غير ذلك لكان الأمر أسهل وأيسر فبهذا ونحوه يتعلق التأليف بهذا القسم. ([28])

(20)         تجنب التكرار لغير فائدة فمن التكرار اللطيف :

ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد

فمن حبه لهذه المرأة لم ير تكرير اسمها عيباً ولأنه يجد للتلفظ باسمها حلاوة فلم يرمن الاعتذار للتكرير إلا هذا العذر فأما قول أبي الطيب:

لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق

فلا خفاء بقبحه للتكرار وكذلك قوله:

ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل

لأنه ذكر الجهل خمس مرات وكرر بي فلم يبق من ألفاظ البيت ما لم يعده إلا اليسير. وأما قوله أيضاً:

فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل

غثاثة عيشى أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل

فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره في صيغة اللفظة نفسها ثم في إعادتها وتكرارها واتبع ذلك بغثاثة في البيت الثاني وتكرار تغث فلست تجد ما تزيد على هذين البيتين في القبح([29])

(21) حسن التصوير للمعاني لتكون أعلق بالنفس فلا تنسى قال الخفاجي:" ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة وقد حدها أبو الحسن على بن عيسى الرماني فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة، وتفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل واشتعل الرأس شيباً استعارة لأن الاشتعال للنار ولم يوضع في اصل اللغة للشيب، فلما نقل إليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير لو نه الأول، كان بمنزلة النار التي تشتعل في الخشب وتسرى حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى لأنها الأصل والاستعارة الفرع، وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز اسمه " واشتعل الرأس شيبا " أبلغ من كثير شيب الرأس وهو حقيقة هذا المعنى"([30])

(22) أن لا تقع الكلمة حشوا، وأصل الحشو أن يكون المقصد بها اصلاح الوزن أو تناسب القوافي وحرف الروى إن كان الكلام منظوما، وقصد السجع وتأليف الفصول إن كان منثورا من غير معنى تفيده أكثر من ذلك وهذا الباب يحتاج إلى شرح وبيان، وتفصيله أن كل كلمة وقعت هذا الموقع من التأليف فلا تخلو من قسمين إما أن تكون أثرت في الكلام تأثيراً لولاها لم يكن يؤثر أو لم تؤثر بل دخولها فيه كخروجها منه، وإذا كانت مؤثرة فهي على ضربين أحدهما أن تفيد فائدة مختارة يزداد بها الكلام حسنا وطلاوة، والآخر أن تؤثر في الكلام نقصا وفي المعنى فساداً. والقسمان مذمومان والآخر هو المحمود وهو أن تفيد فائدة مختارة، ولكل من ذلك مثال فمثال الكلمة التي تقع حشوا وتفيد معني حسناً قول أبي الطيب:

وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانياً

لأن حاشاك ها هنا لفظة لم تدخل إلا لكمال الوزن، لأنك إذا قلت احتقار مجرب يرى كل ما فيها فانياً كان كلاماً صحيحاً مستقيما، فقد أفادت مع اصلاح الوزن دعاءً حسنا للممدوح في موضعه. ومثله قول أبي محلم:

إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان

لأن وبلغتها تجرى مجرى وحاشاك في الفائدة، ولو ألغيت من البيت لصح المعنى دونها على حد ما قلناه في البيت الأول، وليس يخفى على المتأمل حسن المقصود بحاشاك وبلغتها في هذين الموضعين وكذلك أيضاً قول أبي الطيب:

نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد

لأن قوله لهنئت الدنيا بمنزلة الحشو إذ كان المعنى يتم من دونه ولو استوى له أن يقول نهبت من الأعمار ما لو حويته لخلدت في الدنيا لكان المعنى مستقيما لكنه لما احتاج إلى ألفاظ يصح بها الوزن جاء بقوله لهنئت الدنيا، فأنى بزيادة من المدح وفضلة من التقريظ والوصف لاخفاء بحسن موقعها فهذا وما اشبهه هو الحشو المحمود المختار.

وقد زل في هذا الموضع أبو هاشم عبد السلام بن محمد فالحق الحشو الجيد بالردئ وقال في المسائل البغداديات في مسئلة ذكرها في إيجاز القرآن أن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن ذكر ما لا يحتاج إليه في الكلام المنثور، ألا ترى إلى قول امرئ القيس: ورضت فذلت صعبة أي إذلال ولو كان في الكلام لكان يقول: ورضيت فذلت أي إذلال لو شاء، ولو شاء لقال، ورضت فذلت صعبة، فقد بان أنهم ربما ذكروا المصادر والظروف ليتم الوزن هذا في الشعر الرصين. ولهذا ما قال الأعشى:

فأصبت حبة قلبها وطحالها

وأما مثال الكلمة التي تقع حشواً وتؤثر في المعنى نقصاً وفي الغرض فساداً، فكقول أبي الطيب يمدح كافورا:

ترعرع الملك الاستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال أديباً قبل تأديب

لأن قوله: الاستاذ بعد الملك نقص له كبير، وبين تسميته له بالملك والأستاذ فرق واضح فالاستاذ قد وقع ها هنا حشواً ونقص به المعنى إذ كان الغرض في المدح تفخيم أحوال الممدوح وتعظيم شأنه لا تحقيره وتصغير أمره([31]).

(23) تجنب المعاظلة التي هي ركوب بعض الكلام بعضاً ومداخلة بعضه في بعض، والصحيح من تمثيل ذلك ما ذكره أبو القاسم الآمدي وهو قول أبي تمام:

خان الصفاء أخ خان الزمان أخاً ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد

لأن ألفاظ هذا البيت تيشبث بعضها ببعض، وتدخل الكلمة من أجل كلمة أخرى تجانسها وتشبهها، مثل خان وخان ويتخون وأخ وأخ، فهذا هو حقيقة المعاظلة. وكذلك قول أبي تمام أيضاً:

يا يوم شرد يوم لهوى لهوه ... بصبابتي وأذل عز تجلدي

فقوله: يا يوم شرد يوم لهوى لهوه، شديد التعاظل حتى كأنه سلسلة ومنه أيضاً قول أبي تمام:

يوم أفاض جوى أغاض تعزياً ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد

وقال أبو القاسم: فإن قال قائل إن هذا الذي أنكرته من تشبث الكلام بعضه ببعض، وتعلق كل لفظة بما يليها وادخال كلمة من أجل أخرى تشبهها وتجانسها هو المحمود من الكلام، وليس من المعاظلة في شئ، ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم. قالوا: هذا كلام يدل بعضه على بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض. قيل: هذا صحيح من قولهم ولم يريدوا به هذا الجنس من النظم والنثر ولا قصدوا هذا النوع من التأليف، وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها أما على الإتفاق أو التضاد حسبما توحيه قسمة الكلام وأكثر الشعر هذا سبيله. وذلك نحو قول زهير:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم

لأنه قال في أول البيت: سئمت. وقال: ومن يعش ثمانين حولا اقتضى أن يكون في آخره يسأم([32]).

(24) المناسبة بين ألفاظ الكلام ومعانيه كالسجع والمماثلة وغيرهما من دون تكلف بل تكون منقادة للمعنى أيما انقياد قال الخفاجي: "فأما قول الرماني: أن السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق فغلط؛ لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعاً للمعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله. وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف، كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف، وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعاً رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب. فأما الحقيقة فما ذكرناه لأنه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعاً، وبين مشاركة جميعه في كونه عرضاً وصوتاً وحروفاً وعربياً ومؤلفاً، وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى زيادة في البيان. ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع. فإن قال قائل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعاً وما الوجه في ورود بعضه مسجوعاً وبعضه غير مسجوع. قيل: إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعاً لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع؛ لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد مسجوعاً جرياً به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم. ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عالياً في الفصاحة وقد أخل فيه بشرط من شروطهاً، فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعاً وغير مسجوع والله أعلمأما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنها تتناسب على وجهين؛ أحدهما أن يكون معنى اللفظتين متقارباً؛ والثاني أن يكون أحد المعنيين مضاداً للآخر أو قريباً من المضاد، فأما إذا خرجت الألفاظ عن هذين القسمين فليست بمناسبة ... ومما يستحسن من المطابق قول أبي عبادة البحتري:

فأراك جهل الشوق بين معالم ... منها وجد الدمع بين ملاعب

وهذه هي ديباجة أبي عبادة المعروفة، وكلامه السهل الممتنع، وشعره الخضل لكثرة مائه ([33])!

(25) ضرورة توفر الوحدة العضوية للنص الأدبي عند صياغته فـ"أحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاماً يتسق به أوله مع آخره على ما ينسقه قائله، فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل كما يدخل الرسائل والخطب إذا نفض تأليفها، فإن الشعر إذا أسس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وحسناً وفصاحة، وجزالة ألفاظ، ودقة معان وصواب تأليف، ويكون خروج الشاعر من كل معنى يصنعه إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً على ما شرطناه في أول الكتاب، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً، كالأشعار التي استشهدنا بها في الجودة والحسن واستواء النظم، لا تناقض في معانيها، ولا وهي في مبانيها، ولا تكلف في نسجها، تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقاً بها مفتقراً إليها. فإذا كان الشعر على هذا المثال سبق السامع إلى قوافيه قبل أن ينتهي إليها رواية، وربما سبق إلى إتمام مصراع منه إصراراً يوجبه تأسيس الشعر كقول البحتري...:

أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي

فليس الذي حللته بمحلل.

يقتضي أن يكون تمامه:                      وليس الذي حرمته بحرام([34])!

قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.

وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، وخف محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلي في فم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء... واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد([35]).

 

 

 



([1])شرح الحماسة 1: 5 - 6.

([2])  تأريخ النقد الأدبي عند العرب

([3])  العقد الفريد

([4])  سر الفصاحة

([5])  الكامل للمبرد

([6])  يتيمة الدهر

([7])  سر الفصاحة

([8])  العقد الفريد

([9])  العقد الفريد

([10])  العقد الفريد

([11])العقد الفريد

([12])  العقد الفريد

([13])  الوساطة

([14])  تحرير التحبير

([15]) الصناعتين

([16]) صبح

([17])  نصرة الثائر على المثل السائر للصفدي

([18])  الوساطة للجرجاني .

([19]) صبح

([20]) صبح

([21])  يتيمة الدهر

([22])  صبح الأعشى نقلا عن" مواد البيان"

([23]) الصناعتين

([24])  صبح الأعشى

([25])  نقله عنه في صبح الأعشى

([26])  المثل السائر

([27])  سر الفصاحة

([28])  سر الفصاحة

([29])  سر الفصاحة

([30])  سر الفصاحة

([31]) سر الفصاحة

([32])  سر الفصاحة

([33])  سر الفصاحة

([34]) سر الفصاحة

([35])  العمدة

(0) تعليقات

Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.